ابن كثير

137

البداية والنهاية

الحجاج بن يوسف فذكر القبر ، فما زال يقول : إنه بيت الوحدة ، وبيت الغربة ، حتى بكى وأبكى من حوله ، ثم قال : سمعت أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان يقول : سمعت مروان يقول في خطبته : خطبنا عثمان بن عفان فقال في خطبته : " ما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر أو ذكره إلا بكى " . وهذا الحديث له شاهد في سنن أبي داود وغيره ، وساق من طريق أحمد بن عبد الجبار : ثنا يسار عن جعفر عن مالك بن دينار قال : دخلت يوما على الحجاج فقال لي : يا أيا يحيى ألا أحدثك بحديث حسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقلت : بلى ! فقال : حدثني أبو بردة عن أبي موسى . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كانت له إلى الله حاجة فليدع بها في دبر صلاة مفروضة " . وهذا الحديث له شاهد عن فضالة بن عبيد وغيره في السنن والمسانيد والله أعلم . قال الشافعي : سمعت من يذكر أن المغيرة بن شعبة ( 1 ) دخل على امرأته وهي تتخلل - أي تخلل أسنانها لتخرج ما بينها من أذى - وكان ذلك في أول النهار ، فقال : والله لئن كنت باكرت الغداء إنك لرعينة دنية ، وإن كان الذي تخللين منه شئ بقي في فيك من البارحة إنك لقذرة ، فطلقها فقالت : والله ما كان شئ مما ذكرت ، ولكنني باكرت ما تباكره الحرة من السواك ، فبقيت شظية في فمي منه فحاولتها لاخرجها . فقال المغيرة ليوسف أبي الحجاج : تزوجها فإنها لخليفة بأن تأتي برجل يسود ، فتزوجها يوسف أبو الحجاج . قال الشافعي : فأخبرت أن أبا الحجاج لما بنى بها واقعها فنام فقيل له في النوم : ما أسرع ما ألقحت بالمبير . قال ابن خلكان : واسم أمه الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي ، وكان زوجها الحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب ، وذكر عنه هذه الحكاية في السواك . وذكر صاحب العقد ( 2 ) ان الحجاج كان هو وأبوه يعلمان الغلمان بالطائف ، ثم قدم دمشق فكان عند روح بن زنباع وزير عبد الملك ، فشكا عبد الملك إلى روح أن الجيش لا ينزلون لنزوله ولا يرحلون لرحيله ، فقال روح : عندي رجل توليه ذلك ، فولى عبد الملك الحجاج أمر الجيش ، فكان لا يتأخر أحد في النزول والرحيل ، حتى اجتاز إلى فسطاط روح بن زنباع وهم يأكلون فضربهم وطوف بهم وأحرق الفسطاط ، فشكا روح ذلك إلى عبد الملك ، فقال للحجاج : لم صنعت هذا ؟ فقال : لم أفعله إنما فعله أنت ، فإن يدي يدك ، وسوطي سوطك ، وما ضرك إذا أعطيت روحا فسطاطين بدل فسطاطه ، وبدل الغلام غلامين ، ولا تكسرني في الذي وليتني ؟ ففعل ذلك وتقدم الحجاج عنده . قال : وبنى واسط في سنة أربع وثمانين ، وفرغ منها في سنة ست وثمانين ، وقيل قبل ذلك قال : وفي أيامه نقطت

--> ( 1 ) في مروج الذهب 3 / 151 : أن أم الحجاج الفارعة بنت همام بن عورة بن مسعود الثقفي كانت تحت الحارث بن كلدة الثقفي . وانظر ابن خلكان 2 / 29 . ورواية العقد الفريد كالأصل 3 / 6 وفي تلقيح فهوم أهل الأثر لابن الجوزي : ان الفارعة كانت تحت المغيرة . . . وذكر القصة . ( 2 ) العقد الفريد - أخبار الحجاج ج 3 / 6